استطلاع رأي

لمن ستصوت في رئاسيات 2019 ؟

إشهار

محمد المصطفى ولد بدر الدين..السجين الكادح..و السياسي المخضرم

ثلاثاء, 2018-07-24 21:40

في ثلاثينيات القرن الماضي ، عرفت منطقة صنكرافة بزوغ شاعر و سياسي عاصر أغلب الحكومات المتعاقبة على الدولة مناضلا ، وسجينا و مطاردا ، ثم شاعرا و برلمانيا مشاغبا و محاورا لا يشق له غبار، إنه الأستاذ محمد المصطفى ولد بدر الدين.

 

في إحدى صباحات سنة 1938 تنفس الشاعر و السياسي محمد المصطفى أول خيط من خيوط الحياة في إحدى قرى بلدية صنكرافة، حيث الترحال الأبدي بحثا عن المرعى و الكلأ السمة البارزة لحياة البدو ، ترعرع الرجل الذي سيصير علما للنضال و منارة للكفاح ، وسيدا من سادات اليسار الموريتاني ، وكادحا ينهكه البحث عن لقمة للفقير و الضعيف و المعدم.

 

حفظ الشيخ السبعيني القرآن باكرا من أحد محاظر لبراكنه، و قبيل الاستقلال بقليل، كان ولد بدر الدين قد بدأ مشاوره العلمي مبكرا حيث أسس مع رفاق له أول نواة للمعلمين، كإطار موحد لممتهنيها، وفي سنة 1964 شارك اليساري المتقد حيوية في بعثة دراسية إلى الجمهورية العربية المصرية.

 

دخل السياسة من باب النقابة، حيث شارك في تأسيس نقابة المعلمين العرب سنة 1960 و انتخب في مكتبها التنفيذي قبل أن يصبح نقيبا للمعلمين عام 1966 إلى غاية 1969، في هذه المرحلة كانت اهتماماته قومية، إذ انتمى إلى مجموعة تضم: محمدن ولد إشدو، أحمد ولد عبد القادر، المرحوم سيد محمد ولد السميدع و محمدو الناجي.

 

و قد لعبت هذه النقابة دورا بارزا في ترقية و ترسيم اللغة العربية و تحسين أحوال العاملين بها، غير أن هذا الطرح اصطدم أحيانا بمشاعر الأقليات القومية، مما كان له أثر سلبي في أحداث 1966 التي تمثل دور المصطفى ولد بدر الدين فيها بالجانب التحريضي إذ كان أيامها طالبا في القاهرة فبعث من هناك بقصيدة مطلعها:

لو يشبع الشعر حاجات المساكين           بعثت منه لقومي بالدواوين

إلى أن يقول:

شنقيط تغرق والأخطار تهدمها           تشكو إلى بسطاء العقل و الدين

باتوا يغطون كالخرفان في  بله             و الشر يقرب من حين إلى حين

ما قام يدفع  عنها غير  منتفع                   بالدين  يدفعه  حب  القرابين

إن يدع للوطن الغالي يقل هلعا               الدين  الدين  يا  للدين  واديني

أو يدع  للدين يحميه يقل جزعا               للدين رب سيحميه و  يحميني

ربما لا تُنسي تجاعيد وجه الشيخ ولا سنون الدهر المتراكمة ، تجربته مع السجن، حيث يقول هو عن نفسه :

إن أول تجربة لي في السجن كانت صباح يوم 22 يوليو 1968 حوالي الساعة الثامنة حينما دخل إلى بيتي ـ الواقع في حي (آ ) شمال ثانوية البنات ـ المفوض المركزي “سيدينا ولد الحاج ابراهيم” و طلب مني مرافقته إلى مكتب قاضي التحقيق الذي كان يدعى “كن الحسين” و في مكتب قاضي التحقيق أخبرت بأنني متهم بتوزيع منشورين أحدهما يحمل توقيع المكتب التنفيذي لنقابة المعلمين العرب و الآخر لا يحمل أي توقيع، و يتناولان أحداث ازويرات … بسرعة أجبته عن مسؤوليتي عن ما يسميه هو منشورا و أسميه أنا بيانا لمكتب شرعي لنقابة معترف بها هي نقابة المعلمين العرب التي كنت نقيبها آن ذاك (أمينها العام) و لكن القاضي رد علي و كأنه يقرأ نصا مكتوبا.

“إنك متهم بتوزيع منشورات غير مرخصة بالاشتراك مع آخرين، و ذلك منذ حوالي شهرين، و على كل حال منذ أقل من ثلاث سنوات، و عليه فإنني أعلن لك أنك رهن الاعتقال ابتداء من الآن” … بعد إجراءات قصيرة (السؤال عن حالتي العائلية و عما إذا كنت سأوكل محاميا) كنت في طريقي إلى السجن في لكصر، كان عبارة عن مبنى مكون من ثلاث غرف ضيقة، و كنت و زملائي الخمسة: محمد المختار كاكيه، أحمد بيلا باه، محمدو الناجي و أحمد ولد عبد القادر الذي قدم نفسه إلى قاضي التحقيق دون استدعاء تضامنا مع زملائه في المكتب التنفيذي للنقابة في غرفة محاذية لمرحاض تهب منه على الدوام روائح كريهة … كان الزمن صيفا و كانت الحرارة و الرطوبة شديدتين في نواكشوط.

و بعد يومين من مقامنا في السجن دخل علينا نفس المفوض ليرافقني إلى المنزل و كان ذلك حوالي التاسعة صباحا و أجرى تفتيشا دقيقا لغرفة نومي و كانت آخر جملة ضمنها محضره قوله: “لم نعثر على أي عنصر ينير طريقنا”.

لقد ألح علي زملائي، و خصوصا محمدو الناجي، بعد حوالي سبعة أيام من مقامنا في هذا السجن أن نقوم بعمل ما للفت الأنظار إلى قضيتنا و التعبير عن احتجاجنا على هذه الوضعية… بعد دراسة الأشكال النضالية التي يمكن أن نقوم بها، و بالتشاور مع زملائنا في النقابة ـ الذين كنا على اتصال غير مباشر بهم ـ قمنا بإضراب عن الطعام لمدة سبعة أيام انتهينا بعدها إلى المستشفى في حالة صحية سيئة … و قد وضعنا في جناح خاص من هذا المستشفى الذي كان أيامها أقرب إلى الفندق منه إلى المستشفى نظرا لنظافته و جودة الخدمات فيه … أذكر أننا كنا تحت إشراف طبيب فرنسي يمر علينا كل يوم سائلا عن صحتنا و عن ما نحتاجه من علاج.

و ذات مرة أجابه أحمدو ولد عبد القادر بقوله: إننا اليوم بحاجة إلى أقراص لاسترجاع حريتنا فأجابه الطبيب: ضاحكا: “تلك الأقراص لا توجد في هذه البلاد.

 

يعتقد كثير من الناس أن المنهج اليساري إنما أسس لمحاربة الدين و مظاهر التدين، مستترا بذلك في لحاف العطف على المعدمين و المطحونين، وهذا رأي يرفضه ولد بدر الدين، حيث يقول في أحد مقابلاته :

اليسار قبل كل شيء هو فكر ونظرة ايديولوجية وسياسية قبل ان يكون تشكلة سياسية وهو الفكر الذي يدافع عن الطبقات المسحوقة ويدعو للتوزيع العادل للثروة ويناضل من اجل استقلال البلاد وسيادتها ومن اجل حقوق الانسان.

بالنسبة لهذا الفكر كان اهله الذين يعتنقونه دوما منقسمين او مختلفين، حدث هذا في اوربا وفي الاتحاد السوفيتي بين البلاشفة والمناشفة ثم لاحقا بين لينين وتروتسكي، وكذلك بين التجربة الصينية والسوفيتية.

واليسار لا تقال للشيوعيين فقط، بل تقال ايضا للاشتراكيين في اوربا وبلدان العالم الثالث مثل القوميين (الناصرين والبعثيين) في الوطن العربي.

 

اذن اليسار لم يكن كتلة واحدة انما عدة اتجاهات، وقد تفاقمت هذه الحالة مع سقوط الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي، ليس فقط على مستوى اليسار الشيوعي وانما كل حركات التحرر شهدت مثل هذه الحالة، وهذا تاثرت به الساحة في الوطن العربي وافريقيا، ونحن جزء منهما. وذلك نظرا لمد الرأسمالية العالمية التي تملي ارادتها وقوانينها.

 

لا يعتبر ولد بدر نفسه شاعرا ، و أن القصائد التي كان يقولها في الستينيات لم تكن سوى زفرة محزون أرغمته الظروف على تجرع كأس الحياة علقما.

 

منقول من مدونة صنغرافه

اقرأ أيضا