انيكور.. لعبة الرجولة في موريتانيا

اثنين, 2015-07-06 15:14

أنيقور أو لعب الدبوس، إحدى أشهر الألعاب الشعبية الموريتانية . معارك بلا ضحايا، وبلا دماء، تحظى بمتابعة شعبية لافتة، ويأتي إليها المشاركون والمتابعون من أماكن بعيدة . . فهي الحاضرة دوماً في المناسبات المهمة .

تحاكي هذه اللعبة المبارزة بالسيوف، إلا أن السيوف في هذه اللعبة هي عصي قوية يتم اختيارها بعناية لتتحمل الضربات القوية بعضها على بعض، وهي الضربات التي يحدث قرعها إيقاعاً موسيقاً منتظماً يزيد من حماسة الجمهور، وتدور اللعبة بين مبارزين بالعصي في العادة، وقد يتبارز واحد مع اثنين أو ثلاثة أو أربعة حسب خبرته وقوته .

إنها لعبة تستوحي تراث الفروسية والمبارزة بالسيوف العربية الأصيلة، مع فارق أنها تجري بالعصي، وتصاحبها رقصات متقنة، يقوم بها المبارزون الراقصون في آن واحد، ولا يخلو عرس موريتاني أو استقبال شخصية مهمة، أو مناسبة انتخابية من معارك العصي أنيقور، التي تستمد استمراريتها من تاريخ فولكلوري غني، وفي أنيقور يدور المتبارزان حول نفسيهما وحول الجمهور في بداية المعركة الاستعراضية، ثم تلتحم العصي، وتدخل النساء بين المتبارزين، شداً لأزرهما، وسط دقات الطبول والأغاني الحماسية . وتتطلب مبارزة العصي عضلات مفتولة وذكاء ولياقة في الحركات، حتى لا يصيب أحد المتبارزين زميله، فهي لعبة استعراضية في الأول والأخير .

مباريات أنيقور تنتهي كما بدأت من دون ضحايا ومن دون جرحى، ومن دون منتصر ولا مهزوم، فالمتبارزون منتصرون جميعاً، والهدف هو التسلية والفرجة ليس إلا، حتى وإن كانت هذه اللعبة تكشف بطريقة واضحة جوانب القوة في عضلات الرجال وقدرتهم على المناورة وسرعة الحركة .

تشتعل الأرض تحت أقدام المتبارزين، ويفسح المتعبون منهم مكاناً لآخرين، أحياناً تكون المعركة بين عجوز وشاب، حيث يصر الشاب على أنه بعضلاته التي لم ينل منها الزمن يستطيع إتعاب غريمه، فيما تعين الشيخ خبرة عقود من لعب الدبوس، تعطيه هوامش مناورة وخبرات تكتيكية لا يمتلكها بالضرورة منازله الشاب .

قد لا تخلو لعبة أنيقور من بعض الحوادث الصغيرة غير المقصودة، فقد يجرح أحدهم نتيجة تكسر عصاه، وفي أحيان نادرة تصيب بعض شظايا العصا عين أحد المتفرجين، وهذا يستوجب من حضور المباريات أن يقفوا في مكان آمن . ويعد أبطال أنيقور شخصيات اعتبارية في المجتمع تحظى بتقدير الجميع، ويتهافت الناس على دعوتهم إلى المناسبات الاجتماعية، وكثيراً ما وقعت الفتيات في حب مصارع شاب، كان جواز عبوره إلى قلوبهن مهارته في لعب أنيقور، وهي لعبة لا يتكسب بها أبطالها، بل إن جميع المصارعين لهم أعمال أخرى يقومون بها، بينما يمارسون اللعبة في أوقات الفراغ، ويغيب الإطار التنظيمي لممارسي هذه اللعبة عن الوجود في موريتانيا، حيث لاتزال بعيدة عن التقنين، ولا توجد بطولات رسمية لها، رغم شعبيتها الكاسحة في البلد، غير أن هذه اللعبة تراث تتوارثه الأجيال، خلفاً عن سلف، ويعد نجل المبارز مبارزاً بالضرورة، وإذا لم يكن كذلك فهو غير وفيّ لتراث آبائه في نظر المجتمع . وفي الماضي كانت هناك شبه بطولات في أنيقور بين الأحياء البدوية، حيث يرحل بعضهم إلى الآخر لإقامة مباريات تسير الركبان بنتائجها، ولا يمكن لعب أنيقور في غياب دقات الطبول وأناشيد النساء الحماسية، فهما أخوان شقيقان يكتسب أحدهما مبرر وجوده من وجود الآخر .

ويرى العيد ولد سالم أحد أشهر المبارزين التقليديين في موريتانيا أن فن لعب الدبوس أو أنيقور من أجمل الفنون التقليدية الموريتانية، وأن لاعب أنيقور يكتسب من فنه برودة الأعصاب ودماثة الأخلاق، حيث إن من يبرع فيه بالتأكيد له القدرة على هزم الجميع، ما يولد لديه ثقة بالنفس تجعله يبتعد عن العنف، حسب تعبيره .

وتذهب أمانة بنت إبراهيم إحدى ضاربات الطبل إلى القول إنه لا قيمة للأفراح من دون لعب أنيقور، فهو محك الرجولة، ولا رجال إلا لاعبو الدبوس .

وتتمنى بنت إبراهيم أن تتاح الفرصة للشعوب الأخرى للاطلاع على لعبة أنيقور وما تحمله من جماليات، خاصة حين تختلط موسيقا ضرب العيدان مع موسيقا الطبول، فيما يتحرك اللاعبون على تلك الإيقاعات التي تبعث في النفس مشاعر الفرح والاعتزاز والقوة .

فيديو: 

اقرأ أيضا