حركة الفلاحين في بورات.. أو ثورة العبيد السلمية

أربعاء, 2014-10-15 00:08

أديم أرض "بورات"، وسدودها الممتدة على مد اوحقولها المترامية، شهود عيان ناطقة على تاريخ طويل من صراع الإنسان على الحرية وفك أغلاله التي كانت عليه قبل عقود من قبل من كان يعيش تحت سلاسلهم في سنوات الرق المريرة، فالأرض إلزراعية بحقولها المخضرة وما توفره من اقتصاد لمعظم مناطق الوطن كانت تخضع لقانون الأسياد التي تنص في ديباجتها أن الأرض ومن يعمل فيها ملك ليمين السيد، وحتى لو لم يعرف السادة السابقين عن معالمها ولا تزورها سوى يوم واحد هو يوم الحصاد، فتترك الأرض للعبيد يستغلونها حتى إذا ما بلغ يوم القطاف جاء الأسياد يتسللون هنالك يأخذون الحصاد كاملا ولا يبقى لأصحاب العرق المتصبب إلا القليل والقليل من الفتات، استمر حال أرض "بورات" ومزارعها لعقود عدة من الزمن قبل أن يولد إنسان آخر بأفكار أخرى.

إرهاصات تمرد على الواقع

كانت أعوام 74 و75 و76 من القرن العشرين سنوات عجافا على أحياء  "آدوابه" النازحين تحت نير العبودية العقارية، جف الضرع في كل المواشي،  ويبس الزرع في حقول "بورات" وهاجر من هاجر إلى السنغال بحثا عن العمل، وشهدت المنطقة جفافا غير مسبوق.

ومع شدة الفاقة في منطقة كانت توفر النسبة الأعلى من الحبوب للموريتانيين دخلت حركة "الكادحين" ـ المتمردة على الواقع ـ دخلت على الخط وبدأت تغير المفاهيم وتغزو العقول المعبدة من ظلمات الجهل والتخلف، لتحول الأرقاء في سنوات إلى حركة إصلاحية متمردة على الواقع بكل أشكاله.

يقول المصطفى ولد بدر الدين في محاضرة ألقاها أمام العشرات من الفلاحين: لقد قامت حركة الفلاحين في هذه الربوع لتصنع ثورة عمالية جديدة وتعيد الأرض إلى ملاكها الطبيعيين الذين لم يحصدوا منها في السابق سوى الزكاة وبعض الهدايا التي تمنّ عليهم مرات رغم أن الحبوب ما كانت لتقطف لولا العرق المتصبب للفلاحين.

كما ساهمت  الحركة ـ يقول ولد بدر الدين ـ في توعية اجتماعية جديدة في هذا المجتمع فجعلت العلاقة الجنسية الوحيدة بين الرجل والمرأة هي الزواج خلافا لما كان سائدا في عقود سالفة فحافظت على أنساب "آدوابه" وخلقت نهضة من التعاون لم تكن معروفة بين أبناء الحقول في أيام التبعية العقارية التي سادت في أرض الزراعة ردحا م الزمن.

ويقول الحافظ ولد ارشيد ـ أحد عناصر حركة الفلاحين ـ : بدأت إرهاصات هذه الحركة منتصف السبعينات من القرن الماضي وقد تعرضنا خلال الثورة لأنواع شتى من التهديد مرة يقول لنا الأسياد وعملاؤهم إن الله سيغضب علينا لأننا مرتدون عن دين الإسلام، وأحيانا تتعرض لضغوط اجتماعية من قبل والدينا الذين قاموا بمقاطعتنا في تلك السنوات العجاف، لكننا لم نستسلم أبدا ولم نتنازل عن حقنا في ملكية الأرض، ولم نعبأ بتلك العوائد والعقليات البائدة، كانت أفكارنا تقدمية لا تلتفت إلى الوراء فرأت النرو حركتنا بدعم كامل من الحركة الوطنية الديمقراطية.

ويتذكر ولد ارشيد قصة شخصية وقعت له عندما قام بإلغاء طقوس الزواج وسافر مع عروسه إلى السنغال ليواجه بضغط من قبل أهله وأصهاره ويتعرض للاستجواب أكثر من مرة، وتمر الأيام والليالي وهم في تنسيق مع قيادة الحركة الوطنية الديمقراطية قبل أن يتحقق الحلم بعد سنوات ويقع الصلح مع أهالي الأرض الأصليين على قاعدة "أن الأرض لمن أحياها" ولا يجوز توارثها بحجة أنها ملك أصلي للأجداد.

حصاد بذور الثورة..

لقد حصدت حركة الفلاحين أو الثوار العبيد جيلا متحررا متدينا يقرر مصيره بنفسه بعيدا عن الولاءات والتبعية، الآن يتنفس ذلك الجيل الثائر الصعداء في أديم "بورات" وترتفع المآذن شامخة في أرض كانت إلى عقود قريبة خالية حتى من مصلى خشبي، وتكتظ الجوامع في صلاة الفجر وراء أئمة سمر ما كانوا قبل تلك الثورة الفلاحية أن يزاحموا أسيادهم في الصفوف فضلا عن ولوجهم محراب الإمامة، ولكنه إنسان المحراث وثقافة تنقية الأعشاب، وسيول الأرض القادمة من أعماق الوديا، وباطن الأرض علموهم ابن الطبيعة أن الحصاد سوف يأتي بعد فصول من البذر وأتعاب الحقول وفي الصباح يحمد القوم السرى.

 

اقرأ أيضا