حلقات وضاءه من تاريخ المقاومه الموريتانيه

ثلاثاء, 2017-01-03 10:26
 الحلقة الاولي
..لم يستسلم محمد المامون ولد اعل الشيخ ، بعد هزيمته  فى  أغسرمت؛ وظل يتنقل من حي إلى آخر داعيا إلى استئناف المعركة ضد الكفار.
   لكن إستباحته  لاموال من لم يهاجر عن الكقار و سوقه مواشي لأسرة أهل عبد الغزيز، الزوايا المهيبين، افقده ما كان يحظى به من تعاطف، ولم تعد دعوته تلقى سوى ابتسامات فاترة،  فيبدأ في استنهاض همم   مضيفيه، واستعادة أمجاد المعارك الضارية التي خاضوها ضد مقاتلي الجنوب  لحثهم علي الجهاد، دون جدوي ، بل قد يتندر عليه شاب غير متحشم من الصفوق الخلفية من المستمعين  ب (الطلعة) التي نظمها رجال أحمد ولد كركوب بعد انتصارهم عليه و فيها ما معناه:
جاءت غزوة ضخمة من الشمال ...
يزعم قائدها انه مبعوث من الله...
كان محاطا بشباب غض ويحرسه أبناء الاسر العريقة فى الساحل ولكن ما ان ابصروا من بعيد فرقتنا على جمالها
حتى لاذوا بالفرار تاركين وراءهم عدتهم و عتادهم
ومن لم يستطع الفرار ابتلعه أمطليش
وغنمنا باعداد كبيرة المطايا والرواحل
وما رجع الكثير الى الشمال      
   عندها يصاب محمد المامون بالاحباط، ويدعو لإحضار راحلته وسط احتجاجات أنصاره   .
   وأخيرا، في مطلع 1927 تكلل إصراره بالنجاح، و حصل على الموافقة المبدئية لإثنين من أشهر قادة الغزوات، هما: إسماعيل ولد الباردي وأحمد ولد حمادي. فضرب الثلاثة موعدا للقاء عند كلتة زمور.
   وفي اليوم الموعود، تخلف الزعيمان عن اللقاء، وحضر  مكانهما جمع من الغزاة ينتمي إلى مختلف قبائل الغرب. وهكذا إستجاب حشد من المتمردين والفارين من الخدمة العسكريه  لدعوة الشيخ و كان من ضمن الحضور:
·                 الشيخ ولد لجرب الفار من الفرقة المتنقلة (الجمالة) وقد أشتهر بقتل الطيارين كورب وأرابل GOURPP et ERAPLE بعد سقزط طائرتهما في وادي الذهب؛ الشيخ ولد الاجرب من محبي  وجاه ولد اعل الشيخ و بعد مقتل الاخير قرر ان يترك قوميات و يلتحق بالمجاهدين اتخذ قراره ليلة دخوله بابنت عمه و ابان الاحتفاء بالزفاف و بينما صويحبات العروس يرددن شور " ثلاثهن لزام "  نظم الشيخ قافية عبرت عن ما يدور في خلده دون ان يتفطن احد قال :
يقطع بالدنيا  مفناه بنه فراقه للامه   ///    و اسلام عاقب وجاه (محل الشاهد)    ///     ماهي ي الدلال اسلامه 
·                 أعليه ولد الحاج   فار آخر، قاد غزوة الطريفية ضد رفاقه القدامى؛
·         محمود ولد امبارك (الأعور)  محارب مخيف، أسر سابق في السودان (اقصي الجنوب الموريتاني) سنة 1922؛
·                    سويد ابراهيم ولد مولاي أعلي من التهالات ومحمد ولد امحيمدات من السواعد وكلهم متمرسون و بالغي الخطوره.
   و يوم 27 مايو 1927 غادرت الغزوة و عدتها  ، 70 رجلا كلتت زمور ، لمهاجمة فرقة أطار المتنقلة وهي تنتجع عند منطقة زوك Zoug.
 لكن بعض من التحقوا بالغزوة مؤخرا نبهوا لعلم فرقة أطار  بأمر الغزوة، و اتخذت الاستعدادات لذلك.
   أدرك محمد المامون أن من الأكثر حيطة أن يفتش عن هدف أسهل، فأشار إليه رجال من العروسيين، كانوا يعملون في انواذيبو، بأن تتجه الغزوة لذلك المركز. فمن وجهة نظرهم ستكون  العملية مربحة ولا تنطوي على كبير مخاطرة.. وافقت الأغلبية على هذا الرأي، فتحولت  وجهة الغزوه  إلى الغرب.  أما الباقون ممن لم يوافقوا علي المفترح لاسبابهم الخاصه  فآثروا  التوزع علي مجموعات صغيرة للقيام بعمليات كر و فر في المناطق القريبه. وفي يوم 12 يونيو 1927 عند ما وصل محمد المامون إلى مشارف انواذيبو لم يكن  يصحبته الا أربعين رجلا.
   قرر أن ينفذ خطته، وقال لرفاقه: سنهاجم ليلا، سيقوم سبعة من ذوي الحزم بمهاجمة مخفر القناصة، الذي يؤمن حراسة المخازن. وخلال  الهجوم يقوم باقي الغزاة بمداهمة الحوانيت وتفريغها.
   ولما جن الليل تسللوا  في صمت إلى مواقعهم، وأقترب الرجال السعبة بهدوء من الحارس، ظلوا منبطحين أرضا في عتمة الليل يترقبون إشارة الهجوم.
   أشتبه القناص المتوكئ على بندقيته في شيء مريب، فأنحنى بسرعة ثم سندد بندقيته إلى منكبه وأطلق رصاصة في اتجاه المخازن.
   نهض الرجال السبعة بنفس الطريقة ووثبوا بنفس الوتيرة إلى الأمام لقطع خطوات أبعد، فإذا بهم داخل شبكة من الأسلاك الشائكة حجبها عنهم الظلام الدامس.
   خرج القناصة المستنفرين من المركز، وبدؤوا يقذفون القنابل في اتجاه سواد الغزوة الذي تراجع في فوضى. لم يساور القناصة أدنى شك في وجود فريسة تلفظ بصمت أنفاسها الأخيرة على بعد بضع خطوات منهم. وأخيرا تمكن الرجال السبعة، الذين بلغ بهم الإعياء أشده وهم يتخبطون في الدماء، من الإفلات من المصيدة، فلاذوا بالفرار مخلفين خرقا من قمصانهم عالقة بالأسلاك الشائكة.
   بعد ذلك بدقائق وجدت الغزوة نفسها محتشدة خارج المدى المنظور لجدار السور. لم تفقد أيا من أفرادها، إلا أن المعركة كانت خاسرة. ويتعين البحث عن هدف بديل.
  فقررت المسير جنوبا دون التوغل بعيدا،  بقصد سلب ما تيسر من  القطعان من المخيمات غير المسلحة.
   ولم تلبث الغزوة أن عثرت على آثار قطعان كبيرة متجهة جميعها إلى الشرق، تاركة خلفها المراعي الخصبة التي لا تزال  بعيدة عن أن تنهك. ولم يلبثوا حتي  عثروا غلس أحد الرعاة كان قد تخلف عن قطعانه، ولما استجوبوه  عن سر الهجرة المريبة لهذه القطعان، تبين الزوايا تم استنفارهم فقرروا وضع قطعانهم تحت حماية مقاتلي أولاد بالسباع.
   تريث القادة الحياري. فلا مجال إطلاقا لتوريط الغزوه في قتال  أولاد بالسباع بل يجب تجنبهم حتي يبقوا محايدين. ولكن من جهة أخرى سيكون ضربا من العبث أن تعود الغزوة دون غنيمة.ففضلوا التوغل جنوبا ، علي أمل الفوز بمخيمات غير محميه.
 و يوما بغد يوم تزيد وحشة الصحراء ، و تقل اشارات البشائر ، والغزاة المتذمرون يتوغلون شيئا فشيئا  إلى الجنوب.
  و بعد ان تجاوزوا  مركز نواكشوط. ..كانوا علي وشك الرجوغ لولا ، ظهور مؤشرات ايجابيه.
 وفي يوم 24 يونيو 1927 داهموا  مخيمات انتابه،  و انتزعوا منها أربع مائة رأس من الإبل 400 وخمسة وأربعين 45 عبدا. ، و قفلوا راجعين يسوقون امامهم  العبيد الأنعام إلى الشمال.
   وفي يوم 27 يونيو توقف الرجال بعد أن أنهكتهم شدة الحر. وكان الشاي الذي يذكي قوة وعزم البدو ينساب بين الكؤوس. لكن فجأة دوى الاستنفار. فالعسس، أشار إلى  فرقة تقترب. هب كل واحد إلى سلاحه، وتوثب إلى قمة الكثيب لاستقبال  الضيوف. كان عددهم  كبيرا،  و يتفدمهم رجل، لم يكن شبحه يدع من مجال للشك في هويته، إنه أمير الترارزة.
   ما العمل إذن؟ أنهربون و يتركون الغنائم التي كلفت أغلى ثمن، أم يدخلون في قتال ضد فرقة تزداد باضطراد، وستكون لها الغلبة أخيرا؟ تبنى الغزاة حلا مزدوجا فقرروا القتال  راجلين مع مواصلة المسير، و حماية الغنائم  أمامهم.
   وبعد لحظات بدأ التراشق عن بعد. بدي واضحا للوهلة الاولي أن الترارزة ليسوا في عجلة من أمرهم. حاول الأمير أن يثبت الخصم، في حين قامت مجموعة من رجاله بالالتفاف عليه من جهة الشمال. لكن  الغزي إدركوا الخطر، فأندفعوا إلى الجهة التي يتهددهم منها الخصم، فرفض الترارزة القتال عن قرب وآثروا الابتعاد.
   واستمرت المناورة طيلة الظهيرة وكانت الغزوة تزحف ببطء من مناوشة  لأخرى. وحوالي العشي نعثرت الغزوة في سبخة ، فتباطئ تقدم الجمال ، و تناقصت الذخائر، ولم يبق ثمة من خيار سوى قرار الانسحاب و التخلي عن الغنيمة (لوسبقه) للخروج من معركة الاستنزاف هذه، فابتعدوا بخطى حثيثة في اتجاه الشمال الشرقي.
   ولم يخطر ببال الأمير، أن يبادر إلى مطاردة الغزاة حبث كان منشغلا بتجميع الغنائم و حيث قدر ان كل شيء تم على أحسن ما يرام، فالدم لم يهرق، و الغنيمة استرجعت. و لاحقا سيتعهد إيكاون بإطراء هذه الملحمة، فينسجون حولها من المآثر الباهرة، مما كان بوسع الامير تحقيقه فعلا. و على الفور تفتقت قريحة شاعر  عن (اتهيدينة) ذات كلمات رقيقة تمجد الأمير المزهو تقول ما معناه ضمن كلماتها:
    المامون نهب مقطير والجنوب
    ولاذ بالفرار       
   إذ علم أن الأمير     
   ليس صيدا
   والأحوط تفاديه                    
   وطيلة يومين ظلت الغزوة تزحف إلى الشمال. والرجال تملؤهم  الحسرة على ما ضيعوه من نوق سمينة، الى ان أشار عليهم الشيخ ولد لجرب، الذي لم يرض بعد بالعودة خائبا، يبذل محاولة جديدة، ما لبث الرجال  ان قبلوها بحماس. وكان كل واحد يعتقد من جهة أن الأمير قد عاد أدراجه، لأخذ قسط من الراحة بعد عناء المعركة، وأن طريق الجنوب أصبح سالكا.
   وفي صبيحة فاتح يوليو أصبح بئر الطويلة  على مرأى البصر . بعث اليها الغزاة  خمسة رجال للسقاء. وما ان ابتعدوا قليلا حتى اندلع التراشق . فعادوا  تلاحقهم فرقة بكاملها، بقيادة  الأمير. و بدأ اطلاق نار قتل خلاله  محمد ولد امحيمدات من فرقة الامير.
   ولاذ الغزاة بالفرار تملؤهم الحسرة، ودون مواجهة فالحر شديد وهم موغلون في الجنوب، و بهذه المقاييس لن تكون نتيجة المعركة الا خسارة.
   وفي صبيحة يوم 3 يوليو وصلت الغزوة إلى بئر آكليل  حيث إروت، وأستقرت غير بعيد منه لأخذ قسط من الراحة. كان الحر لافحا، وتحت ظل الشجيرات الشائكة، إستسلم الرجال للنوم. وحوالي الساعة الثانية بعد الزوال دوي صوت الإستنفار من قبل العسس، لينتزع الرجال من النوم . فقد حلت بالبئر سرية مؤلفة من ستة عشر رجلا مسلحا.
   وعلى الفور تأهبت الغزوة للفرار، لكن دوي صوت الشيخ ولد لجرب بلسانه الثرب الساخر من رفاقه، يردد: «أعليكن أن تلذن بالفرار أيتها النساء لكون بعض  الرعاة حلوا بهذه البئر، فطردنكن عنها. أهذا هو الأجدر حتى لا تقعن في أيديهم فتصبحن من دافعات المغرم لهم؟. أهذه هي المناقب التي ستروج في مخيماتكن؟.»
   توقف الغزاة المتمرسون ونظروا بإستفهام إلى محمد المامون. خلا هذا الأخير مليا إلى نفسه ليستخير، ثم قال: " فالنقاتل و الله معنا".
    ودون اندفاع أخذ الرجال استعداداتهم للقتال، وقادهم الشيخ ولد لجرب إلى البئر. في حين قام محمد المامون بصحبة أربعة من رفاقة بحركة التفافية لتطويق الخصم.
 

وقد إستغل الخصم هو الآخر هذه المهلة لتنظيم صفوفه على أكمة صغيرة مغطاة بشجر الطرفه هناك تمركز خمسة عشر رجلا تحت إمرة الزعيم الطاعن فى السن الشيخ ولد مكناس.
 منذ الوهلة الأولى تقدم الغزاة بسرعة حتى وصلوا سفح الأكمة، و عند السفح اشتد أوار المعركة، وأصبح رجال المليشيات (برتزام les Partisans) أشد حرصا على ذخائرهم.

   وقد أظهر الشيخ ولد لجرب الذي كان يشكل رأس الحربة في الهجوم استخفافا بالغا بالخطر المحدق، فأصابته رصاصة فجرت رأسه.
   أوقف التقدم منذ الوهلة الأولى. ولكن أصوات طلقات دوت فجأة خلف ظهور المدافعين. فقد إنضم محمد المامون ورفاقه إلى المعركة، وما ان  إكتشفوا مطايا الخصم حتى أقبلوا عليها بالتقتيل، فقضوا على أغلب   المراكيب.
بدأ الشيخ ولد مكناس الذي فقد أحد زملائه وجرح آخر، يتصدى لهذا الخطر الجديد. وبرصاصة جد محكمة هشم ساق المهاجم حميده ولد الخنوش.
   سحب محمد المامون، يساعده أعلي ولد الحاج، رفيقه إلى ملاذ آمن. وحينما كان ينتصب لفحص جرح صديقه اخترقت رصاصة فكه.
   ولحسن الحظ، يبدو ان مقاومة المليشيات اخذت تخبو. واندفع المهاجمون من جديد وبات الاقتحام وشيكا. وفجأة أصيب الغزاة بالدهشة عندما شاهدوا خصومهم الذين كانوا على وشك الاستسلام، يطلقون العنان لمشاعر الفرحة والنصر، محومين ببنادقهم في الهواء، ملوحين بأوشحتهم.
   هل الله أعمى بصيرة هؤلاء الرجال؟
   لكن الغزاة ما ان إستداروا،  حتي أدركوا السر. فلقد إخترق الأكمة الواقعة خلفهم للتو،  رجال الفرقة المنتقلة للترارزة. كان رجالها ينتظمون في نسق محكم، يحثون جمالهم، ويتميزون بأوشحتهم الحمراء. وكانت الفرقة بقيادة النقيب بونافوس Bonafos. فكانت هزيمة الغزاة مدوية. وفي فوضى عارمة انطلقوا إلى جمالهم. وثب الحرسي سيديا ولد عثمان إلى راحلته وإقتفى أثرهم. أمسك رجل رمظان ولد أزفاطي فطرحه أرضا وقتله.
أما الجريح حميده ولد الخنوش فقد ربط فوق جمل، لكنه لم يستطع أن يواكب السير، فتم اللحاق به وطعنه.
  و علي الرغم  من جرح محمد المامون فقد تمكن من الأنطلاق بعيدا، وأوشك أن يفلت. الا أن الحرسي عثمان ولد أعل أحمدو تعرف عليه: فنزل أرضا، ثم سدد بسرعة وأطلق النار علي الجمل الأبيض الانيق فقتله. تدحرج الشيخ على الأرض ثم نهض .
 وقف أحد الغزاة في انتظاره ليردفه، لكن رصاصة جديدة أسقطته. حاول رفاقه الصمود لانقاذه، ولكن نيران كوميات،كانت من الكثافة بحيث تستحيل مقاومتها.
   بقي محمد المامون وحيدا. أسرع إليه رجل برتزام ؛ محمد عبد الله ولد حريمة، طار فرحا، سحب خنجره: وعن قرب ، وفي رمقه الأخير أطلق الشيخ رصاصة  في صدر ولد احريمة  اردته قتيلا . نهض محمد المامون من جديد يصارع الموت ، ترنح كالمخمور، ثم سقط .
   نزل الحرس أرضا عن ظهور جمالهم، و قد انهكهم العياء. وفي ذات الوقت كانت بقايا الغزوة تتلاشى في الأفق. وقبل حلول الظلام تجمع الغزاة لإحصاء الخسائر.
   كان الوضع غير مريح، على ما يبدو. وأجمع الكل على أنه سيكون من حسن الطالع أن يتمكنوا من النجاة بأنفسهم. وتنادى الجميع للفرار دون تأخير. ولكن أنى تكون الوجهة؟ فأشار البعض «إلى الشمال».  لكن هز الشيوخ مناكبهم باستهزاء، مرددين أية رعونة هذه. في هذه الجهة ستكون كل السبل موصدة. وفيها بالذات ستنصب لنا الكمائن. ولكن أين المفر إذا؟

 

  اتجهت الأنظار صوب أعلي ولد الحاج الذي ظل صامتا دون أن ينبس ببنت شفة...(يتتابع)

 

اقرأ أيضا