بروق الذهب الخاطفة لأبصار الموريتانيين

جمعة, 2019-12-06 23:58
أنفاق المنقبين التقليديين

ـ على حافة الهاوية

ـ أحياء يعيشون تحت الأرض

ـ مناجم تتحول إلى أضرحة للمنقبين

ـ كدح وشقاء و ضربة حظ موجعة في مقتل

ـ صور ولقطات حصرية قبيل انهيار آبار التنقيب

 

المختار بابتاح ـ الشروق ميديا ـ  تازيازت

إنه الذهبُ أو العَسْجَدُ بلغة الشعراء الرومانسيين.. ذُكرتْ قناطيرُه المقنطرة في القرآن الكريم ضمن أنواع متاع الحياة الدنيا، تغنى به الشعراء واقعا وخيالا، قديما وحديثا، زفّت به العرائسُ في كل مناكب الأرض، فكان أغلى عملة منذ فجر التاريخ إلى اليوم وربما إلى نهاية الدنيا، ذلكم هو الذهب الخالص، أما كيف خرج ومن أين خرج؟ فتلك قصة طويلة حزينة تستحق الكتابة بدماء شهداء قضوا في تلك الصحاري والسهول وذرتهم الذّاريات دون وداع، فليت شعري هل تعلم الغواني المتزيِنات بالحلي كم بذل الرجال من الأنفس والأموال والوقت كي يسعدوهن، وليت الملوك المتوجين بالذهب لم يعبثوا بهذه السلعة الغالية التي ربما أخذت قيمتها من تكلفة استخراجها!!

سيلفي التقطتها على حافة بئر من آبار التنقيب

من أين أبدأ؟

صدِقوني .. لست أدري ـ وأنا الحائر على حافة بئر من أبار التنقيب في أحراش "تازيازت" أقلب طرفي ذات اليمين وذات الشمال ـ من أين أبدأ هذا التقرير الإنساني المتشعب، لقد تكاثرت عليَّ القصص المدمعة والمواضيع الصحفية الحزينة المتشعبة كما "تكاثرتْ الظباءُ على خِداشٍ.. فما يدري خداشٌ ما يصيدُ" ، هل أبدأ بسرد قصة من الواقع عن شاب تاه في عتمة الصحراء وأهلكه العطش في المسافة الفاصلة بين "الكلب لخظر" و"اكليب اندور" ولم يحظ حتى بحقوق الأموات مثل التغسيل والدفن وكان قد ودّع عياله قبل فترة قليلة بحثا عن لقمة عيش؟ أم أبدأ ـ ولا أكتب هنا بقلم أديب روائي يعتصر خياله ـ بتسطير حروف متناثرة عن شيخ موريتاني ستيني باع كل أغنامه قبل أن يشد رحاله إلى "الشكَّاتْ" شمالي موريتانيا وانقطع به الاتصال ولا يدري ذووه أحيٌ يرجى أم ميتٌ يترحم عليه؟.

 ما رأيكم أن تكون البداية من تلك المساكن المعتمة في باطن الأرض وأنقل بالصور كيف ينام الرجال في غيابة الجب ويستيقظون وقد أوشكت السوافي أن تدفن أجسادهم المرهقة بالكامل؟ أو تكون البداية ـ مثلا ـ بقصة إنسانية أبعثها عبر البريد إلى عنوان مجهول في دولة السودان عن مواطنيْن سودانييْن اكتشفتُ ضريحيهما ضمن أجْداثِ المنقبين، ولا أعلم أين كانا يقطنان من تلك البلاد البعيدة لكن الله قدّر أن يكون مرقداهما الأبديان في "لمْهودات" شمالي موريتانيا؟ أم أنقل بالصور الفوتوغرافية والقلمية ـ وبعيون صحفي عايش المشهد وقابل صنّاعه ـ  عن رجال الخنادق من قضى منهم نحبه ومن ينتظر في سبيل لقمة عيش كريمة ولعلي أفضل البداية من الأخيرة.

بداية سفر إلى الأعماق

 البداية من هذه النقطة ومن مكان يتيه فيه الرجال عبر رحلة شقاء سرمدية يبدأ أول فصولها المأساوية بشاب موريتاني عاش ايام البطالة ولياليها الطويلة قبل أن يتراءى له في الأفق البعيد برْقُ ذهبٍ خاطف وتسرق أذناه حديثا للركبان القادمين من خلف غيوم الصحراء حاملين معهم حبيْباتِ ذهب مجْهَريّة، فهَجر الدِّيار وترك المرابع هناك في العاصمة نواكشوط، أو هنالك في بلاد الله الواسعة موريتانيا عساه يعود ولو بعد حين وفي كفه حبّاتُ رملٍ ممزوجة بحصيات ذهب، نزح مع آلاف النازحين فكان ذلك النزوح ـ في الغالب ـ سرابا يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ترك الوالدين والأبناء والزوجات في رعاية الله إلى إشعار آخر.

هجرة الشباب الجنونية إلى التنقيب بداية مغامرة إلى اكليب اندور  شمالي موريتانيا

 تتبّعنا خطى المنقبين عن الذهب في حلِّهم وترحالهم، سامرناهم في ليلهم الشتوي المدلهِمِّ بخيَمِهم وأي خيَم؟ بل في أخبيتهم المتآكلة، عرّسنا في مَعْرسِهم البدائي، واجهنا معهم سوافي الصحراء العاتية قبل أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ومع تباشير الصباح وغبش الفجر الكاذب نهضنا معهم في فجر يمازج بين الأمل والألم، بين التفاؤل والإحباط، قضينا معهم نهارهم الكامل المغبر حتى غابت عنا شمس الأصيل وراء ذلك الأفق الداكن، تأملنا وجوه شيوخ شاحبة عليها غبرة، وتمعّنا تجاعيد شباب شابوا في أيام معدودات، وقفنا على حافة آبارهم حتى كدنا ننزلق ونحن نحاول أن نلتقط الصور، في تلك الخنادق الكبيرة لا ندري كيف ينجون بأعجوبة من الانزلاق نحو هاوية البئر فكل الحوافِّ غير مدعَّمة ولا مؤمنة.

خباء لبعض رجال التنقيب التقليدي

هنا حيث يضل الرجل الدليل في صحارٍ وسهول جرداء تمتد وتمتد إلى ما وراء الأفق البعيد، هنا "تازيازت" وهناك"تيجريت" وهنالك"اكليب اندور" سهول جرداء وصحارٍ كبرى يهلك فيها الإنسان الشريف العفيف بحثا عن ذهب تحدثت عنه وزارة الطاقة والمعادن فتدفق عليه الشباب بالآلاف منذ العام 2016 في هجرة غريبة  سماها الكاتب الكبير محمد يحظيه ولد ابريد الليل "الجنون الجماعي"  وفي الأخير حصل عليه ـ بالصدفة ـ رجال قلة فكانت فوائدهم مصائب عند قوم آخرين.

 

ضربة حظ موجعة ..

"تبدأ عملية التنقيب التقليدي براس مال قليل لكنه غير متجانس إذ يتكون من معول وفأس يضاف إليهما عضلات الإنسان وطاقته" يقول المنقب محمد عالي وقد شحب وجهه وتعايش مع آلام في الظهر والركبتين، يتحدث إلينا قبل استعداده للدخول في بئره التي زاد عمقها عن 50 مترا وبأنفاق متشعبة، ويتابع الرجل وهو يتحدث من مقلع "الساكنة" ب"تازيازت" : في عمق هذه البئر يشمِّر الرجال عن سواعدهم كل صباح متحدين المخاطر كلها وبدون احتياطات السلامة، لا نمارس سوى لعبة حظ نظل هنا ننحت الحجر طولا وعرضا ونملأ الدلى ثم نخرجها بطريقة شاقة عسى الله أن يوفقنا وتساعدنا الحظوظ.

تسحب الدلو بطريقة شاقة وبعد ذلك تجربة حظ

وهكذا هي دوامة الحياة عند محمد عالي ورفاقه المنقبين الذين اختاروا لقمة عيش كريمة محفوفة بكل المخاطر تدور عليهم الأيام مع البكرة التي تُسحب عليها الدُّلِيُّ: صراع مع الحجر، فنَحْتٌ في جلمود الصخر، فدُلِيٌّ تُخرَج للنور ممتلئة بحجارة لونها رمادي وستعبأ وتنقل إلى مدينة "الشامي" التي ستطحن فيها وتعصر بماء الزئبق كما يعصر الزيتون ثم "أنتَ وحظك".

(سالم) توحي سحنته وملامح وجهه أنه شاب في مقتبل العمر لكن الكدح في أيام البحث عن الذهب والصداع والحمى المزمنين ـ رغم اصطحاب بعض المسكنات المحفوظة تحت أشعة الشمس الحارقة ـ حولت جسمه المرهق إلى شيخ أشيب يتحدث عن رجال قلة ساعدتهم حظوظهم فكانوا يحصلون على غرامين من كل كيس (الكيس تزن 120 كلغ) وربما زادت حظوظهم مع زيادة كمية الأكياس فحصلوا على عدة كيلوغرامات وهم قلة قليلة، لكننا نحن ـ يقول سالم ـ نحاول منذ فترة جاهدين ولم تساعدنا الحظوظ ومع ذلك ما زلنا مصممين على المزيد، وربما سننتقل من آبار "الساكنة" إلى آبار "تيجيريت" و"لكراره" و"آحميمم" و"اخنيفسات"، أو ربما في منطقة "اكليب اندور" هنالك حيث يتحدث المنقبون عن آبار جديدة تم تنسيبها (التنسيب بلغة المنقبين يطلق على فحص بدائي لعينات من الاتربة ووجود حصيات ذهب).

ويتابع سالم: نحن هنا منذ سنة تقريبا ولم تساعدنا الحظوظ وعسى الله أن يكتب لنا الحظ هنالك في المناطق التي ذكرت لك.

زينب تبدأ يومها الجديد في صحاري التنقيب

(زينب) قصتها تستحق تقريرا أو "بورتريه" إنساني مستقل،  واحدة من عشرات النسوة اللاتي تستثمرن في التنقيب التقليدي، صادفناها في "تيجيريت" وهي أم لثلاثة أيتام هم عبد الله وخالد وسميه، تركتهم في رعاية الله منذ فترة وودعتهم بالدموع ، لتصل هنا وتواجه نكد الدنيا ، لقد صهرتها نكبات الدهر وذاقت مرارة الفقر فلم تجد بدا من ارتكاب هذه المغامرة خاصة أنها ـ كما تقول ـ تعلمت من الشاعر الجاهلي الشنفري أن "... في الأَرضِ مَناًى لِلكَريمِ عَنِ الأَذى... وَفيها لِمَن خافَ القِلى مُتَعَزَّلُ." منأى الكريمة زينب عن أذى الفقر المدقع هو كوخ خشبي في أرض فلاة لا يقي من برد الشتاء القارس، تقف على حوافها وتكاد تسقط فيه كل صباح وهي تراقب العمال يخرجون الحجارة من قعر الأرض عسى الحظوظ أن تساعدها ولو بعد شهور.

تلخص  زينب بصوتها المبحوح جراء الربو قصة الذهب فتقول: إن الأرزاق بيد الله وما هو مطلوب من العباد هو التكسب والأخذ بالأسباب، وقد بذلنا ما في وسعنا من الطاقة، مرة نحصل على "غرامات" كثيرة، ومرات لا تساعدنا الحظوظ، وهكذا هي الأعمال كلها.

تتحدى الأرملة العفيفة زينب الطبيعة القاسية التي تسرق كل يوم نصيبا من أنوثتها و تعبث بملامح وجهها وتشقق قدميها وتصمد في وجه الريح العاصفة وبرد الشتاء القارس وشموس الصيف الحارق كل ذلك يهون عليها ما دامت تنتظر أن تعود  وقد حصلت على مثاقيل من الذهب الخالص حتى توفر لهم ما يمسح دموع اليتم ويوالصلو دراستهم الابتدائية (كان بودي أن تبعث معي هدية إلى أولئك الأيتام في مدينة نواكشوط). 

كسر الحجارة الخارجة من قعر الأرض قبل التعبئة

هذه زينب وذانك سالم ومحمد عالي رجال ونسوة منسيون صامدون مصابرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، أجبرتهم ظروف البطالة على مواجهة الموت البطيء جراء الإهمال الصحي وغياب وسائل السلامة على حافة الهاوية إن لم يكن الموت السريع الناتج عن الانهيارات المتكررة وسقوط الأتربة من الحافة كل ذلك من أجل "تجربة حظ".

وهكذا البحث عن الذهب مجرد ومضات برق خاطف وضربة في عالم الحظ أشبه ما تكون بألعاب القمار مع الفارق الكبير بين التكسب الحلال وبين القمار، رحلة "سيزيفية" مستمرة كترحال  منمي المواشي الذين يلاحقون السحب والأمطار يحطون رحالهم حيث نزل المطر ثم لا يلبثون أن يشدوها إلى مكان آخر، لكن أولئك يرحلون إلى مكان المرعى وهؤلاء في ترحال دائم بحثا عن الحظ والحظ فقط.!!

خريطتان تحددان موااقع الذهب في موريتانيا ويرمز لمعدن الذهب  ب AU

لعبة الحظ في هذه الأحراش تختزل فيمن قادته الأقدار إلى "عِرْقِ ذهب" ترتفع فيه نسبة المادة فيكتشفونه بعد حفر خمسين مترا تقريبا ثم يتتبعونه أفقيا في الأعماق (العرق -بلغة المنقبين- هو أتربة في باطن الأرض تتشكل أفقيا بطريقة تشبه عروق الشجر في باطن الأرض).

 لا تخضع محاولات هؤلاء المنقبين الخطيرة لأية دراسة علمية مطلقا ولم نصادف ـ خلال رحلتنا الشاقة ـ مهندسا مدنيا أو جيولوجيا واحدا، ولا متخصصًا في المجال.

لقد كنا نقرأ في المراحل الإعدادية عن الإنسان القديم في العصر الحجري وما كنا نعلم أن الأيام تخبئ لنا أن نعيش مع ذلك الإنسان البدائي الذي ينحت الصخور بيديه نحتا.

 

"كوموغو" أو أنفاق الموت..

"كوموغو" كلمة مستوردة من اللغة المالية "بَامْبَارَا" وتطلق على النفق، وبلغة المنقِّبين التقليديين مصطلح مخيف يحيل في دلالته إلى أنفاق متعرِّجة تحت الخنادق والآبار المظلمة، تنعدم فيها وسائل السلامة المتبعة عالميا (safety) فليست لدى المنقبين التقليديين أقنعة واقية من الحجارة المتساقطة، ولا جوارب، ولا علبُ دواء ويبتعدون عن مراكز تغطية شبكة الاتصال.

بداية سفر شاق إلى أعماق "كوموغو"

حق لمن شدّ حباله وهو يتدلى في "كوموغو" أن يكتب وصيته الأخيرة فهو مغامر متهور مسافر عن نور الحياة في رحلتين كلاهما أخطر من الأخرى، السفر الأول يتدلّى عموديا بعمق أكثر من خمسين مترا والسفر الثاني يسير راجلا أفقيا في خندق حفره بيده يتتبع "عِرْق الذهب" يدخل هنالك في ظلمات بعضها فوق بعض ويتزود بمصباح بدائي مشدود على الجمجمة.

قلة من الحالمين محظوظون يبعثون معهم مصابيح كهربائية ومروحات هوائية مزودة بمولد كهربائية على فوهة البئر ـ وتلك قصة أخرى عن احتمال تعرضهم لتماس كهربائي داخل البئر في أي وقت ـ وهكذا في عدة دقائق يودِّعون نور الحياة إلى ظلمات الأرض وتتحول حياتهم إلى ليل غاب بدره وطمست كواكبه، ينظرون يمنة ويسرة فلا يريهم ضوء المصابيح سوى جلاميد الصخور الحارقة ثم تبدأ عملية النحت من هنالك وملء الدلاء بطريقة بدائية جدا.

 

(مساكن) تحت الأرض و(مساكين) فوقها..

مساكن المنقبين التقليديين هي مجرد أخبية مصنوعة من البطانيات ومنصوبة على أربعة عيدان يقطن في الخباء الصغير ما يزيد على عشرة رجال، يشكون في كل مرة مضايقة السلطات التي تمنع ضرب الخيام في المناطق القريبة من شركة "كينروس تازيازت" الكندية، فيلجأون إلى وضع مساكن تحت الأرض و آبار عمقها ثلاثة أمتار ينامون فيها قريري الأعين بين جدران بئر معطلة، ثم يستيقظون وقد كادت السوافي  تدفن أجسادهم المرهقة. ولئن كانت العرب تبالغ قديما في نكد العيش وصعاب الحياة فتقول إن "باطن الأرض خير من ظاهرها" فإن المنقبين يفضلون باطن الأرض على ظاهرها مطلقا حيث يقطن معظمهم في عمق الآبار.

مسكن من مساكن المنقبين تحت الأرض

يقتات الحالمون بالذهب بوجبات بسيطة وهي في الغالب خليط من الأرز و"السردين" لوجبة الغداء وفي العشاء عجائن مع قديد اللحم، وكل وجبة يكون للسوافي نصيب منها.

الشاي الموريتاني مستمر خلال الأربع والعشرين ساعة تقريبا وهو المنشط الوحيد للعمال. 

 

وفيات وأرقام مخيفة.

ومما يسيل الدمع ويدمي القلب أن العشرات من الشباب الذين باعوا متاجرهم الصغيرة أو مواشيهم وودّعوا أهلهم بحثا عن ثراء أو لقمة عيش يتعففون بها ما كانوا يعلمون أنها الرحلة الأخيرة فقضوا في هذه الصحراء، وحسب الإحصاءات التي حصلنا عليها من السلطات ومن وسائل الإعلام المختلفة ومن سفارة السودان فإن  86 شخصا على الأقل لقوا حتفهم في أكثر من 20 حادثة انهيار بمناطق الذهب الموريتانية وقد أعددنا جدولة مفصلة عن أماكن وتواريخ وأسباب وفيات التنقيب مصحوبة بالمصادر، هذا هو المسجل عند السلطات وما استطاعت وسائل الإعلام الوصول إليه عن طريق مصادرها.

وفيات المنقبين بلغة الأرقام

 كثيرون هم القتلى الذين لم يحظوا حتى بالصلاة عليهم مثل ضحايا "الساكنة" ولا يعرف بالضبط مكان أضرحتهم وإن استطاع المنقبون أن يضعوا سياجا تقريبيا لضريح القتيل ممادو الذي ينحدر من مدينة "باركيول" جنوب موريتانيا، وقد انهارت عليه البئر عندما أدخله رفاقه وتتبع "العِرق" أفقيا فتضرر من تربته غير المتينة، هكذا يفترضون، أما الأخبار بالتفصيل فقد دُفنت مع القتلى أنفسِهم.

 في منطقة "آحميم" عثرنا على أضرحة "بئر الراية" وعبثا حاولت السلطات الموريتانية باستخدام آليات الحفر التابعة للشركة الوطنية للصناعة والمعادن "اسنيم" العثور على جثامين الضحايا، لكنها وقفت عاجزة عن ذلك، وهؤلاء هم سالم ولد عبدي واشريف ولد بلال اللذين قضيا في ظلمات البئر في يوم شتوي مغبر بتاريخ 27/02/ 2019 .شهداء بئر الراية

 وفي "لمْهَوداتْ" فشلت الحفريات نفسها في إخراج اثنين من ضحايا التنقيب سودانييْ الجنسية وهما أحمد بدوي ومحمد حسين وقد فارقا الحياة في الصيف الماضي بتاريخ 27/08/2019م،  ولا أدري ماذا يعلم عنهم أهلوهم في دولة السودان، وما أعرفه هو أن ظروفا قاهرة أخرجتهم من وطنهم؛ ليواجهوا الموت المحقق في صيف الصحراء الموريتانية الحارق.

شهداء لمهودات

وفي "اكليب اندور" شمالي موريتانيا تكررت حوادث الانهيارات حتى تحولت الكنوز في بعض المناطق إلى مقابر جماعية فلا يدري الناجون أيحفرون عن تلك الأضرحة المسيّجة بحثا عن الذهب أم يتركون للأموات حقوقهم.

هي مقابر جماعية وأرقام مخيفة منذرة بمزيد من تساقط الضحايا، وأغرب ما في الأمر أنه في حديثنا مع المنقبين لاحظنا أن الهروب من جحيم البطالة إلى "الحلم الذهبي" جعلهم يألفون الموت ويتحدّونه ولا يتعظون أثناء سرد تلك القصص المدمية، فأن تموت مشاعر المرء حتى يألف  وداع الأصدقاء ورفاق العمل إلْفًا معتادًا، فذلك أصعب موقف واجهناه في هذا التقرير.

 

رسالة من تحت الآبار..

وقد تخيلت أحد المنقبين الذين يعيشون على مدار الساعة في الأنفاق وكتبت خاطرة على شكل وصية بعنوان "وصية منقب عن الذهب" بعد أن رأى الآبار تنهار ألحقها بهذا التقرير:

وداعا أيها الوطن الغالي الحبيب الذي يجري في ما بقي من شراييني المرهقة بالسوافي وشموس  )تازيازت( الحارقة.. وداعا يا تلك المرابع الجميلة.. أصافحك أخيرا يا ربوعا تنفست هواءها الطلق، شممت بهدوء عبق محيطها الأزرق.. لاعبت ذات يوم زوارق نهرها في )روصو( .. تسلقت ذات شتاء مرتفعات حوضيها في "لعيون" و"النعمه" .. تفيأت ظلال واحاتها الفيحاء بنخيلها الباسق في صيف (آدرار) و(تكانت) .. سامرت بدورها المتلألئة على وقع نغمات الفنانين "ديمي" و"النعمه" و"سدوم" و"ولدْ عَوَه"..  لقد طفْتُ في بلاد الله الجميلة "موريتانيا" ذَرعْتُها شرقا وغربا أيام المراهقة.. أيام الشباب.. أيام كنا.. وكنا .. ولا تسلْ كيف كنا.

أخيرا تخطفني حديث الركبان القادمين من الشمال وحملت سوافي "تازيازت" بصيص أمل من أعماق تلك الآبار،  فشددْت رحلي إلى هنا.. هنا فقط وحيث تمتد السهول وتغبرّ الأرض في معظم أيام الحَوْل .. هنا وفي "آحميم" و"اخنفيسات" و"لمهودات".. و"اكليب اندور" هنا بدأ البحث بعد إحباط كبير عن لقمة عيش في وطن عانيت فيه من بطالة مزمنة .... جئت إلى هذه الأرض وليس لدي سوى جَرَّاف ومعول .. ليس لدي رأس مال .. أنا عامل يدوي فقط أدفع يوميا من عرق جبيني، تجعّد وجهي، اشتعل فودايَ شيبا كل ذلك من أجل حفنات رمل قد تحمل حبيبات ذهب وقد لا تحمل سوى ذرات غبار ..

الحياة هنا في صحراء "تازيازت" تختلف عن حياتكم معشر الأهالي في الوطن الجميل .. الماء معدوم .. .. الأغذية حبيبات أرز مخلوطة بقديد اللحم، أما نصف الوجبة الآخر فهو أتربة نقول من باب الدعابة والتنكيت إنها قد تحمل ذهبا داخل القدر ومن يدري ؟ في كل شيء نسأل عن مثقال؟ هل في الماء مثقال من ذهب ؟ هل في النباتات القليلة عروق ذهب ؟ ..

وإذ نودعكم من صحراء التنقيب في الشمال الموريتاني فإننا نعلن عن خيبتنا .. نرى مواكب الشهداء يتساقطون فلا نتعظ إطلاقا لقد ألفنا الموت فلم يعد لدينا إحساس بوداع الشهداء وعلى طريقة الشاعر الموريتاني أحمدو ولد عبد القادر (نتلقّى الشهيد عزًّا ونصرًا .. والضحايا توديعهم حفلاتُ) مهلا أيها الشاعر !! هو نصر آخر ووداع من نوع آخر .. نصر بأن أحد المنقبين ترك معاوله لنا!! ترك غنيمة نقتات عليها تركت جثته حصيات قد تحمل مثاقيل ..  فهل أتاكم حديث الشهيد ابراهيم ذلك المنقب الذي انهار عليه البئر فأخذ الأصدقاء يحفرون ويحاولون إخراجه لكنهم انشغلوا كثيرا في فحص الترب التي يلامس جمجمته قال أحد المنقبين في تهكم: "تحت جمجمة هذا المرحوم عرق من الذهب.."!!

مصيري أنا الموت.. الموت أواجهه كل يوم صدقوني.. أيامي معدودة .. أعيش معظمها في غيابة الجب .. في قعر بئر التنقيب .. أمسِ القريب أيقنت بالفراق عندما انهارت البئر التي كنت في قعرها لكني خرجت بأعجوبة فائقة؛ سحبني زميلي الماهر وأنقذني من موت محقق.. بداية أوجست خيفة في نفسي، لكني عدت اليوم إلى البئر نفسها.. قررت أن أموت وأموت .. كل شيء إلا البطالة هناك معكم..

إلى أمي في (لعيون) .. إلى والدي في (تكانت) إلى خالي في (روصو) إلى ابنة عمي وخطيبتي التي كانت تنتظر الزواج مني في نواكشوط .. وداعا .. سامحوني في كل حق لقد قصرت في جنبكم .. شهورا وأنا لم أتصل عليكم أنا خارج التغطية .. وأخاف إذا اتصلت عليكم أن تراجعوني في قراري .. لقد يئست من الذهب .. بل من الحياة كلها ..  أنا خارج من أجل سعادتكم أملي أن أعود وأعود لكن هيهات .. أيامي معدودة هنا .. لعلها أيام معدودة سوف أموت بعدها دون أن أودع، ودون أن أغسّل ويصلى علي .. أرجوكم من تذكرني فليترحم علي.

فيديو: 

اقرأ أيضا