ليلة من ليالي الثقافة على أديم أرض بها نيطت علي تمائمي، هنا بولنوار1 التابع لبلدية النباغية مقاطعة بتلميت هنا حيث عشت جل طفولتي بين تلك المرابع، تذكرت في هذه الليلة الثقافية ليالي أخرى وأياما خوالي تسامر فيه الشباب على تلال المحظرة، يضّاحكون على نوادر العرب وأيامهم، يتساجلون شعرا ونثرا يتبادلون قصص جرير والفرزدق يستنطقون يوميات المتنبي وكافور ،
هنالك وبين فجوات أشجار الطلح المتناثرة على الرمال الفضية نظمت جمعية الهمم الراشدة أول أسبوع ثقافي على مستوى الوطن عام 1994 وتلته في السنوات اللاحقة أيام وأسابيع ثقافية ثرية بالمعرفة والعلم والإبداع أيام كان للثقافة معنى قبل أن تنحرف عن مسارها فتتحول إلى وجبات سريعة مسمّمة ضارّة مُسرطنة للجسم الثقافي الوطني.
في بولنوار كانت الثقافة حقا وكانت بيوتاتها العتيقة قبلة المثقفين يجتمعون من كل أنحاء الوطن يتبادلون الإبداع حتى سماها الشاعر الراحل الشيخ ولد بلعمش (قرية الشعر) وكتب أمير القوافي باركلل ولد داداه عن أجيالها ( الناس لكبار والناس اسغار اتبارك الله سياني فيه) ،
وكتب الشاعر الدكتور التقي الشيخ قبل ثلاث وعشرين سنة:
بولنوار الصيت الي فيه # سابگ لسبوع الثقافي
كافي والي ماهو كافيهْ# لسبوع الثقافي كافي
أذكر الآن ليالي تسامرنا فيها ونحن أطفال فمراهقون فشباب وربما شيب نغالب النوم ونصارع فَراش الخريف وننتظر المفاجآت وما سيختتم به أبناء القرية ورموز الوطن مثل أحمدو ولد عبد القادر ومحمدو ولد أحظانا من إبداعات.
جمعية الهمم الراشدة تلكم الـشجرة الوارفة الظلال والنخلة الباسقة ذات الطلع النضيد فيرحم الله جيلا وضع نواتها الأولى في أرض خصبة معطاء، جيل يقوده المرحوم محمد الأمين ولد أحمد عالم والمرحوم إسماعيل ولد أحمد عالم ويرعى الله جيلا رعاها و رآها يوم تفتقت وخرجت للنور مثل الأستاذ احمدو يحيى باب والمختار السالم ولد مقام وعبد الباقي ولد محمد و محمد عبد الله احظانا ومختار مقام ، وسقى الله هذا الجيل الصاعد الوفي الذي أخذ الدلاء وبدأ سقايتها حتى لا تذبل ولن تذبل بإذن الله.
الآن والآن فقط أعترف لأول مرة أنني تسللت ذات ليالي مدلهمة فسرقت من بلح ورطب وتمر تلك النخلة الباسقة على حين غفلة من حراسها الذين أمنوني. نعم كنت من السارقين المستفيدين من هذه المسيرة الثلاثينية غير أن الله لم يعلمني الشعر ربما لحكمة بالغة، حاولت وأنا أتسلق أن أكون من المبدعين فعجزت ربما لأن السارقين غير مباركين.
لم أكن مبدعا ولا شاعرا ولا حتى كاتبا وإن وجدت البيئة المناسبة لقرض الشعر و(آفلال لغن) ومع ذلك سرقت عرجونا من عراجينهم وغرفت غرفة بيدي من زلالهم وتفيأت مرة ظلهم الظليل المفعم بالإبداع وتعلمت التهجي و كيف أفتح الكتب وأطالع بين رفوف المحظرة المغبرة وأبحث في صفحاتها الصفراء تعلمت منهم خلسة كيف أفتح بعض المعاجم وكم تمنيت أن تعود بي السنون في دورة عكسية حتى أتضلع من معينهم الزلال وأجالس أستاذي أحمد عالم ولد محمد وأقاوم النعاس وهو يفسر القرآن بأسلوبه البسيط،
ألا ليت الأيام تعود بنساءاتها العلمية لأجلس مع أترابي نستظل جدار المحظرة نستمع بهدوء للمفتش الخليل ولد أحمد حرمه وهو يضع ميزان الصرف يكيل لنا به كل مثال وأجوف وناقص ولفيف، ويحدثنا عن قصة "ما" الكسائي وسيبويه في مجلس علمي عفوي يتقطع بطرائف المعلم ببها ولد أحمد عالم وتوشيحات الأستاذ أحمدو يحي ولد باب وصرامة الأستاذ حبيب ولد عبد الله.
ذكريات هذه الليلة جميلة حزينة تختلط فيها المشاعر بين الحزن على رجال سامرونا مرات في هذه الليالي الثقافية فرحلوا عنا وبين الأمل في جيل صاعد مبدع يستلم المشعل ويسير (على نهج مرسلنا المؤتمن).
تحية للجمعية الثقافية حقا لا دعاية وتحية لجيلها المبدع بعيدا عن الضوضاء وركاكة المهرجانات التافهة وإعلامها الهابط.
تحية لجمعية الهمم الراشدة في قرية بولنوار1 وفي عيدها الثلاثين،
#ثلاثون أسبوعا #ثقافيا
ثلاثون #إبداعا.
ثلاثون #شمعة معرفية.





.jpg)

