المذهبُ المتَّبع، والرأيُ الفقهيُّ الراجح الذي جرى عليه العمل في بلادنا، بل وفي أقطارٍ كثيرة من العالم الإسلامي، أنَّ لكلِّ أهلِ بلدٍ رؤيتَهم للهلال، وهذا العمل موافقٌ لقاعدة الشرع في المواقيت، جارٍ على مقتضى أدلته.
قال الإمام شهاب الدين القرافي في الذخيرة: «ومقتضى القاعدة أن يُخاطَب كلُّ أحدٍ بهلالِ قُطره، ولا يلزمه حكمُ غيره، ولو ثبت بالطرق القاطعة»، وإلى هذا أشار محمد بن إسماعيل البخاري بقوله في صحيحه: «باب لأهل كل بلد رؤيتهم».
وقال القرافي في الفروق: «وإذا كان الهلال يختلف باختلاف الآفاق، وجب أن يكون لكلِّ قومٍ رؤيتهم، كما أنَّ لكلِّ قومٍ فجرَهم وغيرَ ذلك من أوقات الصلاة، وهذا حقٌّ ظاهر وصوابٌ متعيّن. وأما وجوب الصوم على جميع الأقاليم برؤية الهلال في قُطرٍ منها فبعيدٌ عن القواعد، والأدلة لم تقتضِ ذلك، فاعلمه».
ومن الأدلة الشرعية التي تشهد لصحة القول بأن لكل أهل بلد رؤيتهم، ما رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه، عن كُريب أن أمَّ الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: «فقدمتُ الشام فقضيتُ حاجتها، واستُهلَّ عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيتُ الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمتُ المدينة في آخر الشهر، فسألني عبدُ الله بن عباس رضي الله عنهما، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلتُ: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نُكمِل ثلاثين أو نراه. فقلتُ: أوَلا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم».
ولا يُنافي هذا ما ورد في كتب المذهب من القول بعموم الرؤية؛ فإن ذلك مقيَّدٌ بعدم تباعد الأقطار تباعدًا شديدًا، وقد نقل هذا القيد شُرَّاح المختصر عند قول خليل: «وعمَّ إن نُقل بهما». قال الحطاب في مواهب الجليل ناقلًا عن ابن عرفة: «وأجمعوا على عدم لحوق حكم رؤية ما بَعُد، كالأندلس من خراسان».
فالمذهبُ المتَّبع في بلادنا – إذن – صحيحُ الأدلّة، واضحُ الحجّة، جارٍ على أصول الشرع وقواعده.





.jpg)

