في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو التحولات السياسية في سوريا وكيف استطاع أحمد الشرع (الجولاني) إعادة تقديم نفسه كلاعب محلي لا يمكن تجاوزه، يبرز في إقليم "أزواد" المضطرب اسمالطراقي الإفوغاسي إياد آغ غالي كمرشح وحيد للقيام بذات الدور، ولكن بمقومات اجتماعية وتاريخية تفوق تلك التي امتلكها زعيم "تحرير الشام".
إن المقارنة هنا لا تنطلق من تشابه الأيديولوجيا فحسب، بل من القدرة على التحول من "مطلوب دولي" إلى "رقم صعب" في أي معادلة استقرار مستقبلية، مستنداً إلى ثلاثة مرتكزات تجعل منه الأقرب للحركات الأزوادية وللواقع المالي.
أولاً: المرتكز القبلي (الشرعية الأرستقراطية)
خلافاً للعديد من القيادات الجهادية التي تفتقر للجذور الاجتماعية، ينحدر إياد آغ غالي من صلب قبيلة "إيفوغاس"، وهي الطبقة الحاكمة والقيادية في مجتمع الطوارق وخاصة جهة كيدال.
• القوة الاجتماعية: هذه المكانة تمنحه "حصانة قبلية" تجعل المساس به مساساً بكيان اجتماعي كامل، وهو ما يفتقده أحمد الشرع الذي بنى شرعيته على التنظيم العسكري لا العمق القبلي.
• الوساطة الفطرية: بصفته "سليل الأعيان"، يملك آغ غالي لغة الحوار مع شيوخ القبائل وفض النزاعات، مما يجعله صمام أمان داخل البيت الأزوادي المشتت.
ثانياً: المرتكز الأزوادي (الإرث النضالي)
لا يُنظر إلى إياد في الشمال المالي كوافد، بل كأحد آباء "النضال الأزوادي". فهو قائد تمرد التسعينات ومهندس اتفاقيات السلام السابقة وأحد رموز اتفاقية (تمنراست).
• التقاطع المصيري: تجد الحركات الأزوادية (بمختلف توجهاتها) في "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" التي يقودها إياد، حليفاً عسكرياً ضرورياً لمواجهة تمدد مجموعة "فاغنر" الفيلق الإفريقي والجيش المالي.
• البراغماتية الميدانية: كما فعل الجولاني في إدلب بتقديم نفسه كحامي للأرض ضد التدخل الأجنبي، يقدم إياد نفسه اليوم كدرع للأزواديين، مما يذيب الفوارق بين "المشروع الجهادي" و"المطلب القومي".
ثالثاً: المرتكز الإسلامي (الجهادية المحلية)
نجح إياد آغ غالي في ما فشل فيه تنظيم "داعش"؛ وهو "تبيئة الجهاد". لقد صبغ خطابه الإسلامي بصبغة محلية تتماشى مع تدين المجتمع التارقي المحافظ.
• الشرعنة الاجتماعية: من خلال تطبيق أحكام شرعية تراعي العرف القبلي، قدم إياد نموذجاً للإدارة المدنية (على غرار تجربة الجولاني في إدلب) تجد قبولاً لدى السكان الذين يعانون من غياب الدولة.
• فك الارتباط الضمني: رغم ولائه الرسمي للقاعدة، إلا أن ممارساته على الأرض تركز بشكل شبه كامل على "العدو المحلي" والأجندة الإقليمية، مما يمهد الطريق لعملية "تبييض سياسي" إذا ما نضجت ظروف التفاوض الدولي.
ا"الرجل الضرورة"
إن التحول الذي قد يشهده مسار إياد آغ غالي ليصبح "نسخة مالية" من أحمد الشرع ليس مجرد مناورة، بل هو نتاج واقع يفرض نفسه. فالبعد القبلي يحميه، والبعد الأزوادي يشرعن وجوده، والبعد الإسلامي ينظم صفوفه.
إذا قررت القوى الإقليمية والدولية يوماً ما أن الحل في مالي لن يكون عسكرياً، فإنها ستجد في "آغ غالي" الشخص الوحيد الذي يملك مفاتيح التهدئة، ليس لأنه الأفضل أيديولوجياً، بل لأنه الأكثر تجذراً في تربة الصحراء، تماماً كما فرض الجولاني نفسه كواقع لا يمكن تجاوزه في الجغرافيا السورية.
المختار بابتاح





.jpg)

