حدث الراتب الشهري فقال..*

خميس, 2026-07-16 23:24

 

عرفني القانون الموريتاني في تعريفه لماهية الأجر بأنني " كل ما يحصل عليه العامل لقاء عمله ثابتا أو متغيرا نقدا او عينا " 
ولقد شكلت طوال عقود من الزمن الجميل صمام أمان للموظفين مهما كانت محدوديتي فعلى ذمتي يسلفهم الدكان المجاور مايحتاجون من تموين  ويدفعون إيجار المنزل ويغسلون ثيابهم عند صاحب المغسلة ويدفعون ثمن التاكسي والباصات ووقود السيارة  وغيرها من مصاريف يومية إعتيادية وواقعية .وقد تعامل الموظف في الماضي  مع قدراتي المحدودة واحترمني وأحترمته وعاش معي قنوعا بي وفخورا بكل زيادة تطرأ علي فقد وضع جدول لصرفي حسب الأولويات ؛ ففي شهر تسديد فواتير الكهرباء والماء تغلق البنود الإضافية الأخرى لأوجه الصرف وفي شهر آخر يفتح باب التموين الغذائي وهكذا سارت الأمور .أما المصاريف الاجتماعية فقد حاول الموظفون فيما مضى أن تكون في حدود مقدرتي على الصرف فأنا راتبهم الشهري وصمام الأمان من الفقر والحاجة إلى السؤال بالنسبة للموظفين . 
قبل عشرين عاما من الآن لا أدري كيف حدثت طفرة وتغيير جذري في أوجه الصرف لدى مجتمع الموظفين الذين أثقلو كاهلي بين عشية وضحاها .لقد تحول الموظف  إلى مستهلك من فئة "المجددين" وهم أعلى فئة إستهلاكية لدى خبراء التسويق العالمي وعادة ترتبط بأهل الثراء الشديد ولامكان للموظفين فيها .وتحولت أوجه صرفي من الدكان المجاور وصاحب المغسلة وبائعة الخضار وصاحب المجزرة وغيرها إلى أوجه صرف جديدة تغولت على الراتب الشهري المسكين وأدخلته في دائرة مغلقة لن يعرف الخروج منها الا بعد أن يتحول إلى علاوة تقاعد ستعاني هي الأخرى من هذه الأوجه الجديدة للصرف .
فيما مضى كان الموظف يستلمني برضى نهاية كل شهر ويدعو بنزول البركة أما اليوم فما أن يستلمني حتي يطلب مخصص الشهر القادم المتبقي عن أقساط الديون المصرفية. وتحولت  من الرصيد الاسود القابل للسحب إلى الرصيد الأحمر  الذي يقضي باقتطاعي كاملا دون نقصان فور تشريفي لحساب الموظف .
لقد أرهقتني أوجه الصرف  الجديدة من  محلات الفراش ' و سوق الهواتف الذكية و برص السيارات وقضاء العطل في الخارج وإقتناء الاكسسورات غالية الثمن من غير المعادن  النفيسة وغيرها من المصاريف  الكمالية التي دفعني فيها الموظف بدون إرادتي ودون مراعاة لمقدرتي.
رفقا بي أيها الموظف فأنا كراتب شهري لك أساعدك في تسيير أمورك اليومية وبرمجة مصاريفك الشهرية وإمكانية توفير دخل سنوي يعينك على نوائب الدهر بشرط أن تتعاون معي وتقوم بإدارتي كما يجب .
ستقول ايها الموظف أنت راتب صغير لن تكفي لتلبية  إحتياجاتي وسأجيبك أنني أحيانا أتجاوز المليون عند بعض الموظفين ولكنهم يبتكرون أوجه صرف جديدة تجعل وجودي كعدمه وتجعلكم كموظفين تشتركون جميعا في ربقة الديون والمصاريف الكمالية غير الأساسية والنتيجة أنني أصبحت محل سخط ولعنة من المجتمع وفتحت الباب أمام الفساد والفوترة الوهمية والمحسوبية على مصراعيه .
ليس الذنب ذنبي أيها الموظف ولا فرق في التسيير بين الراتب الصغير والمتوسط والمرتفع ' بل عليك أيها الموظف أن تراجع نفسك وتحدد أولوياتك . انت أيها الموظف من أرهقت كاهلي بالقروض والمرابحات وبيع الدين بالدين والإنتقال من مصرف إلى مصرف بهدف الإستفادة من قرض جديد وسداد القرض القديم  والنتيجة هو رهني لسنوات إضافية في مصاريف باتت في أغلبها  كمالية وثانوية  .
هل تريد  أيها الموظف الاستفادة من راتبك الشهري والحصول على  منفعته العظمى  ؟ عليك أولا بتغيير عقلياتك وعدم مقارنة نفسك  بغيرك ممن يفوقك دخلا وإمكانيات والعيش في حدود دخلك  .
أعلم انك ستقول : مصاريفي الشهرية تفوقك  أيها الدخل  مهما كان حجمك ومهما أضيف عليك من زيادات وعلاوات  وأقول لك أيها الموظف هناك قواعد إذا طبقها الموظفون مهما تفاوتت مستويات رواتبهم سينجحون في تسيير الدخل  ولكن عليك أولا أن تتعرف إلى أهم أسباب عدم قدرة الموظف  على التحكم في دخله الشهري : 
- كثرة الديون  فالموظف يعتقد أن الاستدانة هي الحل الوحيد للمشاكل المالية والحقيقة انها تضاعفها 
- المزج بين الأساسيات والكماليات  عند تحديد الموظف  لأولويات صرف الراتب .
- عدم الإدخار للأزمات الطارئة .
واخيرا أيها الموظف بعد أن جعلتك تتعرف على أهم الأساسيات التي تجعلني كراتب شهري أتمرد عليك ولا أفي باحتياجاتك ساقدم لك مقترحات ناجحة للاستفادة القصوى من دخلك الشهري عليك أن تقوم بالآتي أيها الموظف : 
-اولا  تخصيص نصف الراتب للنفقات الثابتة والأساسية مثل التموين الغذائي ورسوم المدارس وفواتير الكهرباء والماء وغيرها من المصاريف الأساسية الأخرى .
- ثانيا تخصيص ثلث الراتب للنفقات الكمالية وغير الضرورية  التي يتم صرفها من أجل الرفاهية مثل مصاريف المناسبات الإجتماعية والإجازات وإقتناء سيارة جديدة والسفر وغيرها من المصاريف الكمالية الأخرى .
- ثالثا تخصيص خمس الراتب للإدخار والمشاريع المستقبلية وذلك بفتح حساب توفير للإدخار لمواجهة الطوارئ والظروف المستجدة حيث سيساعدك ذلك أيها الموظف على عدم الحاجة إلى الإقتراض.
 ختم الراتب الشهري حديثه لأننا في آخر الشهر  حيث تم  تحويل الراتب المسكين إلى رصيد أحمر  في مصرف ما ؛
فمتي تشفق على نفسك وعلى راتبك أيها الموظف ؟ 

-----------

* نزيهة الحسن

اقرأ أيضا