لم يكن المؤتمر الصحفي الذي عقده فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مناسبة لاستعراض حصيلة العمل الحكومي خلال سبع سنوات بل كان نافذة أطل منها على خريطة علاقات موريتانيا الخارجية، محددًا الشركاء الذين يراهن عليهم في مسيرة التنمية. وبين كل ما قيل، بدا الحديث عن المملكة العربية السعودية مختلفًا، ليس لأنه جاء في سياق الثناء الدبلوماسي المعتاد، وإنما لأنه استند إلى واقع من التعاون والمشاريع التي باتت تتحدث عن نفسها.
فحين يتوقف رئيس الجمهورية عند دولة بعينها، ويخصها بالإشادة، فإن الرسالة تتجاوز المجاملة السياسية.فتعكس قناعة بأن تلك العلاقة لم تعد تقتصر على اللقاءات الرسمية أو البيانات المشتركة، بل أصبحت شراكة تتجسد في مشاريع واستثمارات ورؤية مشتركة للمستقبل.
لقد عرفت العلاقات الموريتانية السعودية، خلال السنوات الأخيرة، حركية متصاعدة، انتقلت بها من التعاون التقليدي إلى فضاء الشراكة الاقتصادية. ولم يعد الحديث مقتصرًا على التمويل التنموي الذي ظل الصندوق السعودي للتنمية أحد أبرز عناوينه، بل أصبح يشمل استثمارات في قطاعات تمثل مستقبل الاقتصاد الموريتاني، وفي مقدمتها الزراعة والطاقة.
ولعل اختيار الرئيس الغزواني لهذين القطاعين لم يكن اعتباطيًا؛ فالزراعة أصبحت اليوم قضية سيادة وطنية في ظل التحولات التي يشهدها العالم، بينما تمثل الطاقة مفتاح التنمية الصناعية وجذب الاستثمارات. وموريتانيا، بما تمتلكه من أراضٍ خصبة، وإمكانات مائية، ومصادر طاقة تقليدية ومتجددة، توفر بيئة واعدة لأي شراكة تبحث عن النجاح والاستدامة.
وفي المقابل، تمضي المملكة العربية السعودية بخطى ثابتة نحو توسيع حضورها الاقتصادي خارج حدودها، مستندة إلى رؤية 2030 التي جعلت من الاستثمار الدولي أحد محاورها الأساسية. وفي هذا السياق، تبدو موريتانيا شريكًا طبيعيًا؛ بما تتمتع به من استقرار سياسي، وموقع جغرافي، وموارد طبيعية، وفرص استثمارية ما تزال بكثير من جوانبها في بداياتها.
ولعل محطة الطاقة العملاقة في انجاكو التابعة لشركة (أكوا باور) السعودية كانت أهم مشروع استراتيجي في الدولة الموريتانية حديثا ذلك أنها ستقضي نهائيا على مشاكل الطاقة.
إن ما يميز العلاقات بين نواكشوط والرياض أنها لم تُبنَ على ردود الفعل أو المصالح الظرفية، بل على رصيد طويل من الثقة والاحترام المتبادل. ولذلك، فإن كل مشروع جديد، وكل استثمار يعلن عنه، لا يمثل مكسبًا اقتصاديًا فحسب، بل يعزز كذلك مكانة هذه العلاقة بوصفها واحدة من أكثر العلاقات العربية استقرارًا ووضوحًا في أهدافها.
ولم يكن حضور السعودية في المؤتمر الصحفي حضورًا سياسيًا فقط، بل كان حضورًا تنمويًا. فقد حضرت من خلال المشاريع الزراعية التي يُنتظر أن تسهم في تعزيز الأمن الغذائي، ومن خلال مشاريع الطاقة التي ستفتح آفاقًا جديدة للنمو، ومن خلال رؤية تقوم على أن الاستثمار هو أفضل تعبير عن متانة العلاقات بين الدول.
وفي زمن تتغير فيه التحالفات بسرعة، وتُقاس العلاقات بما تحققه من نتائج ملموسة، تبدو الشراكة الموريتانية السعودية مؤهلة لأن تكون نموذجًا عربيًا ناجحًا. فهي لا تقوم على الشعارات، بل على المصالح المشتركة، ولا تكتفي بالوعود، بل تترجمها إلى مشاريع على الأرض.
لذلك، لم يكن لافتًا أن تحضر السعودية في حديث الرئيس، لأن حضورها سبق ذلك في ميادين التنمية. وما قاله الرئيس في مؤتمره الصحفي لم يكن سوى تأكيدٍ على حقيقة باتت واضحة: حين تكون المشاريع هي لغة العلاقات، يصبح المستقبل أكثر إشراقًا، وتصبح الشراكات أكثر رسوخًا.





.jpg)

