لم يكن المؤتمر الصحفي الذي عقده فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مناسبة لاستعراض حصيلة العمل الحكومي فحسب، بل كان أيضًا نافذة أطل منها على خريطة علاقات موريتانيا الخارجية، محددًا الشركاء الذين تراهن عليهم البلاد في مسيرة التنمية. وبين مختلف الملفات التي تناولها، بدا الحديث عن المملكة العربية السعودية مختلفًا، ليس لأنه جاء في سياق الإشادة الدبلوماسية المعتادة، وإنما لأنه استند إلى واقع من التعاون والشراكة باتت آثارهما ملموسة على الأرض.
حين يتوقف رئيس الجمهورية عند دولة بعينها، ويخصها بالإشادة، فإن الرسالة تتجاوز حدود المجاملة السياسية. إنها تعكس قناعة راسخة بأن تلك العلاقة لم تعد تقتصر على اللقاءات الرسمية أو البيانات المشتركة، بل أصبحت شراكة حقيقية تتجسد في مشاريع واستثمارات ورؤية مشتركة للمستقبل.
لقد عرفت العلاقات الموريتانية السعودية، خلال السنوات الأخيرة، حركية متصاعدة نقلتها من التعاون التقليدي إلى فضاء الشراكة الاقتصادية. ولم يعد الحديث مقتصرًا على التمويل التنموي الذي ظل الصندوق السعودي للتنمية أحد أبرز عناوينه، بل أصبح يشمل استثمارات في قطاعات تمثل مستقبل الاقتصاد الموريتاني، وفي مقدمتها الزراعة والطاقة.
وفي هذا السياق، برز خلال الفترة الأخيرة دور سفارة المملكة العربية السعودية في نواكشوط، بقيادة سعادة السفير الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الرقابي، التي لم تكتف بأداء دورها الدبلوماسي التقليدي، بل عملت على تعزيز البعد الاقتصادي للعلاقات الثنائية، من خلال تشجيع المستثمرين السعوديين على استكشاف الفرص الواعدة التي توفرها موريتانيا، وفتح قنوات التواصل مع مختلف القطاعات الحكومية والاقتصادية. وقد أسهم هذا الحراك في إعطاء دفعة جديدة لمسار الشراكة بين البلدين، وترجمة الإرادة السياسية إلى مبادرات عملية من شأنها استقطاب مزيد من الاستثمارات السعودية، خاصة في مجالات الزراعة والطاقة والتعدين والثروة الحيوانية، وهي قطاعات تمتلك فيها موريتانيا ميزات تنافسية كبيرة.
ولعل اختيار الرئيس الغزواني للحديث عن الزراعة والطاقة لم يكن اعتباطيًا؛ فالزراعة أصبحت اليوم قضية سيادة وطنية في ظل التحولات العالمية، بينما تمثل الطاقة مفتاح التنمية الصناعية وجذب الاستثمارات. وموريتانيا، بما تمتلكه من أراضٍ خصبة، وإمكانات مائية، وموارد طاقوية واعدة، توفر بيئة جاذبة لأي شراكة تبحث عن النجاح والاستدامة.
وفي المقابل، تمضي المملكة العربية السعودية بخطى ثابتة نحو توسيع حضورها الاقتصادي خارج حدودها، مستندة إلى رؤية 2030 التي جعلت من الاستثمار الدولي أحد أهم مرتكزاتها. وفي هذا الإطار، تبدو موريتانيا شريكًا طبيعيًا، بما تتمتع به من استقرار سياسي، وموقع استراتيجي، وموارد طبيعية، وفرص استثمارية واعدة ما تزال في كثير من جوانبها بحاجة إلى من يكتشفها ويستثمر فيها.
إن ما يميز العلاقات بين نواكشوط والرياض أنها لم تُبنَ على المصالح الظرفية، بل على رصيد طويل من الثقة والاحترام المتبادل. ولذلك فإن كل مشروع جديد، وكل استثمار يُعلن عنه، لا يمثل مكسبًا اقتصاديًا فحسب، بل يعزز مكانة هذه العلاقة بوصفها واحدة من أكثر العلاقات العربية رسوخًا واستقرارًا.
ولم يكن حضور السعودية في المؤتمر الصحفي حضورًا سياسيًا فقط، بل كان حضورًا تنمويًا بامتياز. فقد حضرت من خلال المشاريع الزراعية التي يُنتظر أن تسهم في تعزيز الأمن الغذائي، ومن خلال مشاريع الطاقة التي ستفتح آفاقًا جديدة للنمو، ومن خلال رؤية تقوم على أن الاستثمار هو التعبير الأصدق عن قوة العلاقات بين الدول.
وفي عالم تتغير فيه التحالفات بسرعة، وتُقاس العلاقات بما تحققه من نتائج ملموسة، تبدو الشراكة الموريتانية السعودية مؤهلة لأن تكون نموذجًا عربيًا ناجحًا، لأنها تقوم على المصالح المشتركة، وتترجم النوايا الطيبة إلى مشاريع حقيقية تعود بالنفع على الشعبين الشقيقين.
ولذلك، لم يكن مستغربًا أن تحظى المملكة العربية السعودية بهذا الحضور في حديث رئيس الجمهورية، لأن حضورها سبق ذلك في ميادين التنمية والعمل والاستثمار. وما قاله الرئيس في مؤتمره الصحفي لم يكن سوى تأكيدٍ على حقيقة أصبحت واضحة للجميع: أن العلاقات التي تُبنى بالمشاريع، وتترسخ بالاستثمار، هي وحدها القادرة على صناعة مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا.





.jpg)

